المحتوى الرئيسى

معالي رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد.. ملف واحد يكفي!

04/10 15:26

معالي الوزير اسمحوا لي أن أقول دون مبالغة، إن كل المشاكل التي تعانيها مشاريع التنمية سببها مرض واحد، وهو الفساد الإداري والمالي، وواضح أن خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز كان يعرف هذا المرض العضال الذي تسلل إلى سدّة الإدارة وَبَطشَ بمشاريع البنى التحتية لأكثر من نصف قرن، فأصدر أمره الملكي الكريم (ضمن مجموعة الأوامر الملكية الثلاثين) بإنشاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد وشرفكم برئاستها، ولأنه يعرف هذا المرض المستشري بضراوة في أوصال الإدارة السعودية فقد رأى بثاقب حكمته أن ترتبط الهيئة مباشرة بشخصه. ونحن نقول لو لم يكن الفساد مرضاً يعانيه جميع مرافق الإدارة السعودية لأمكن تنفيذ برامج ومشاريع التنمية دون عوائق، ولكانت هذه المشاريع كافية للقضاء على أزمة السكن وأزمات الخدمات الصحية والتعليم والكهرباء والمياه والبطالة والفقر. إن الملف الذي أصبح يشار إليه بالبنان في قضايا الفساد هو ملف الصرف الصحي في مدينة جدة، وهو بالتأكيد أشهر ملف عانى أمراض الفساد في تاريخ الإدارة السعودية! إن مشاريع شبكة الصرف الصحي في مدينة جدة لها روايات مريرة وقصص مثيرة بدأت منذ أكثر من 55 عاما، وما زال المشروع لم ينته ويبدو أنه لن ينتهي! في عام 1960 رست الحكومة أول مشروع للصرف الصحي في تاريخ مدينة جدة على الشركة الألمانية (إياها!) وهي شركة أصبحت معروفة عند جميع أجيال أهالي جدة، لأنها ما زالت حتى الآن تأخذ قطعة من كيكة المناقصات وتنام عليها كما تنام السلحفاة على روثها. كنا قبل نصف قرن نسكن وسط البلد، وكانت الشركة تدق الأرض في أزقة جدة بمعولها المزعج من الصباح وحتى تباريح المساء، ويومذاك أمرت الشركة الألمانية (التي كانت تضرب الأرض بقسوة) سكان جدة بأن يلغوا نوم القيلولة. وكان السكان راضين بما أملته الشركة عليهم طالما أن النهاية هي الانتهاء من بناء شبكة الصرف الصحي وإلغاء نظام ''الدبولة'' الذي كان أحد أبشع ملوثات البيئة في نظام البناء التقليدي القديم. وحينما بدأ تنفيذ مشروع شبكة الصرف الصحي في عام 1960 قيل لنا إننا سنبقى على هذا الحال ثلاث سنوات، ولكن بعد ذلك ستنعم جدة بشبكة صرف صحي مدى الحياة. ومرت سنة وثانية وثالثة، ثم كرت السنوات حتى تجاوزت السنوات العشر، وفجأة توقف المشروع واختفى من ساحة مشاريع جدة، وبعد سنوات ظهر المشروع مرة أخرى واستكمل حتى غطى نحو 8 في المائة من مساحة جدة البالغة يومذاك 900 كيلومتر مربع. وحينما انقضت 20 عاماً على المشروع فوجئنا بتصريح صحافي لوزير الشؤون البلدية والقروية يقول إن الدولة تفكر جدياً بإلغاء ما تم تنفيذه وإعادة دراسة المشروع لأن ُقطر مواسير الشبكة التي تم تنفيذها 25 سنتيمترا، وهذا غير كاف لأن المدينة تنمو بشكل دراماتيكي وأن الوزارة بصدد وضع دراسة جديدة ومشاريع جديدة للصرف الصحي. بمعنى أن الـ 20 عاما من عمر المشروع ذهبت وانقضت دون فائدة تذكر، وأن الأموال التي ُصرفت لتذهب إلى الجحيم، وإن الوقت قد حان لنبدأ من جديد وكأننا يا بدر لا رحنا ولا جينا! وخلال السنوات العشر التي تلت الـ 20 الأولى كانت مصلحة المجاري تنفذ شبكة كبيرة من مواسير الصرف على الطرقات الرئيسة، اتضح أنها ــــ وفقاً لما عرضه المهندس زكي الفارسي أمام الأمير نايف في الاجتماع الشهير الذي عقد في مقر غرفة جدة ــــ مشروع فقط لتخفيض منسوب مياه المجاري الناتجة من البيارات القابعة تحت مباني المدينة، وكانت مع الأسف تصب في البحر مباشرة دون أي معالجة مما يعني تدمير البيئة البحرية وتلويث الأسماك التي يتغذى منها الناس. وخلال هذه المرحلة اكتشفت الوزارة بعض التقصير والانحراف في تنفيذ المشروع وشكلت لجنة فنية للتحقيق، وفعلا أوصت اللجنة بتغيير رئيس المصلحة، ثم عرض الموضوع على ديوان المظالم لاستكمال التحقيقات. وحينما تسلم الأمير عبد المجيد بن عبد العزيز ــــ يرحمه الله ــــ مهام منصبه كأمير لمنطقة مكة المكرمة أحس بخطورة الصرف الصحي الذي بدأ يتسلل إلى أساسات العمائر ويهدد البيئة في كل المدينة، ورأى سموه ــــ رحمه الله ـــ أن تؤسس شركة قابضة تتولى تنفيذ سلسلة من مشاريع الصرف الصحي بصورة فورية وبعيداً عن الروتين، وأدلى بتصريحات صحافية متفائلة جداً، جاء فيها أن مشروع الصرف الصحي سوف يشارف نهايته في غضون خمس سنوات، ولكن وزارة التجارة لم توافق على تأسيس الشركة فأجهض المشروع وهو لا يزال في مهده. وحينما تولى الدكتور غازي القصيبي الوزارة أخذ على عاتقه اتخاذ خطوات شجاعة وجريئة ووقع مجموعة من العقود مع عدد من الشركات التي باشرت في تنفيذ الشبكة في بعض الطرق الرئيسة وبعض الطرق الفرعية، وفجأة انسحبت بعض الشركات وخفت وتيرة تنفيذ المشروع وما زال ينتظر مرحلة جديدة من مراحله المريرة والممتدة لأكثر من 55 عاماً خلت. المهم، ما أود تأكيده معالي رئيس الهيئة أن الحكومة لم تبخل على مشروع الصرف الصحي في مدينة جدة وصرفت دم قلبها لتمديد شبكة الصرف الصحي، ولكن مرت أكثر من 55 عاماً وصرفت مليارات الدولارات ومع ذلك لم نر شبكة للصرف الصحي قد بدأت العمل لتنقذ هذه المدينة الناعمة والناعسة من سلسلة كوارث بيئية وصحية قاتلة ومدمرة. وما أود أن أقوله في نهاية هذه المرافعة أنه لو تم تنفيذ شبكة الصرف الصحي لما احتجنا إلى بناء سدود بحيرة المسك، لأنقذنا جدة وطرقها ومبانيها من كارثة إذا وقعت ــــ لا سمح الله ــــ فإنها ستدمى قلوبنا جميعاً. وتعرفون معالي الرئيس أن عمل الرقابة يبدأ منذ أن ُيرسّى المشروع على المقاولين، ووظيفة الرقابة أن تتابع على أرض الواقع تنفيذ مشاريع الدولة وترصد أولاً بأول مراحل التنفيذ، ويجب على الرقابة ألا تترك مشاريع الدولة ضحية للذمم الضعيفة، بل واجبها أن تراقب وتتابع تواصل التنفيذ بشكل لا ينقطع ولا يتوقف، وإذا رأت مخالفات أو تقاعساً أو تململاً، فإن واجب الرقابة أن تنبه أثناء التنفيذ، ثم تحذر وتتوعد وتوصى بالعقوبات الرادعة لكل متقاعس أو متهاون، ثم ترفع تقاريرها إلى ولي الأمر، وتقترح اتخاذ الإجراءات اللازمة والرادعة لإعادة هندسة المشاريع حتى تأخذ طريقها إلى التنفيذ، ومن ثم التشغيل، وحينما يتم التشغيل ُتخلى الرقابة مسؤوليتها. إنني أؤكد لكم معالي الرئيس أن ملف الصرف الصحي في جدة فيه كل التجارب التي أدت إلى الفشل في تنفيذ المشروع، وأن الاستفادة من هذا الملف (الخبرة!) سيؤدي حتماً إلى أخذ العبرة والنجاح في تنفيذ كل مشاريع التنمية في كل أنحاء مملكتنا الغالية. dr_saaty@yahoo.com

أهم أخبار المملكة

Comments

عاجل