المحتوى الرئيسى

الحكومة الهندية ولعبة ورقة السلام مع باكستان

04/10 15:26

من خلال استخدام جو الإثارة المحيط بمباراة ما قبل نهائي كأس الكريكيت بين الهند، وباكستان لعقد قمة مع نظيره الباكستاني، ارتكب رئيس وزراء الهند، مانموهان سنج الغلطة التقليدية التي يرتكبها الزعماء حين تكون أوضاعهم الداخلية صعبة. ويحاول أولئك الزعماء البحث عن حالات نصر رخيص، وصوري على الأراضي الأجنبية، وكذلك في مجال العلاقات الخارجية ــــ ويفشلون في ذلك. نجد من أمثلة ذلك أن الحكم الدكتاتوري في الأرجنتين حاول إلهاء الناس عن الاقتصاد المنهار، فتحرك لاستعادة جزر الفوكلاند. ولم يتوقع من البحرية البريطانية أن ترد على ذلك، قاطعة آلاف الأميال عبر المحيطات، لكي تصل إلى موقع المعركة، وتكسبها. وكذلك نجد على الصعيد المحلي أنه حين حاول راجيف غاندي التغطية على حيثيات فضيحة البوفور المحلية من خلال التدخل العسكري الهندي في الصراع العرقي السريلانكي، فإن النتيجة كانت اغتياله. منذ تم تشكيل حكومة التحالف الثاني برئاسة مانموهان سنج، قبل نحو عامين، ظلت هذه الحكومة تتورط في العديد من القضايا، بما في ذلك فضيحة منح رخص شركات الهواتف الجوالة، وسوء تنظيم دورة ألعاب الكومونولث، حيث كانت تنتقل من معضلة إلى أخرى. ولوحظ كذلك أن فوز الحكومة الذي شابه التلاعب، بثقة البرلمان، عام 2008، حين كان هناك خلاف شديد بين الحكومة والمعارضة بخصوص اتفاقية التعاون النووي مع الولايات المتحدة، ظل يطارد هذه الحكومة من خلال عدة تقارير تم بثها على موقع ويكيليكس، وجرى نشر موادها على صفحات صحيفة The Hindu الرصينة. كشف موقع ويكيليكس كذلك الكثير عن التوجه الأمريكي المخزي من جانب الحكومة الهندية. وكانت جلسات البرلمان الهندي جميعها عاصفة حين كان النقاش يتعلق بمواقف الحكومة من قضايا حيوية متعددة مثل التضخم الكبير الذي تشهده أسعار المواد الغذائية، والارتفاعات غير المسبوقة في مستوى الأسعار بوجه عام، واستشراء الفساد على نحو واسع للغاية. حتى نتمكن من الحصول على منظور صحيح فيما يتعلق بالفساد الذي ترعاه الحكومة، فإننا نجد أن فضيحة الاتصالات التي طالت حكومة سنج، وأحد كبار حلفائها، كلفت البلاد أضعاف ما كلفه فساد حكومة راجيف غاندي المتعلق بالبوفور، ذلك الفساد الذي أدى، مع أسباب أخرى، إلى اغتياله. تواجه قيادة حزب المؤتمر الهندي مفاوضات برلمانية حاسمة في ولايات أسام، وغرب البنجال، وكيرالا، وتاميل نادو، وبونديشيري. وحاولت الحكومة الهندية التظاهر بتحقيق إنجاز كبير يمهد لتلك الانتخابات، وذلك من خلال افتعال قمة بين رئيسها، سنج، ورئيس وزراء باكستان أثناء مباراة للكريكيت بين فريقي البلدين. والحقيقة أن محاولة جلب الانتباه من خلال هذه الإثارة المتعمدة، لم تتعد حدود المباراة، حيث إن الطرفين (الهند، وباكستان) لم يكن لديهما أي استعداد لتقديم أي تنازل على طاولة المفاوضات. ومعروف أن الجيش الباكستاني، والاستخبارات الباكستانية الدولية، يعيشان على عقيدة معاداة الهند، كما أنهما يحققان النمو انطلاقاً من ذلك، وبالتالي فإنهما لن يسمحا لأي حكومة ديمقراطية باكستانية بتحقيق السلام مع الهند. وتسعى هذه الاستخبارات إلى بلقنة هذه المنطقة من العالم. وبعد أن خسرت باكستان الحرب مع الهند التي أدت إلى انفصال بنجلادش عن الدولة الباكستانية، أصبح من المستحيل على الاستخبارات الباكستانية، والجيش الباكستاني التخلي عن كشمير، حيث إن المسألة بالنسبة إليهما مسألة حياة أو موت. ولذلك لم يكن من المتوقع أن يحمل رئيس وزراء باكستان، جيلاني، معه أمراً مثمراً في لقاء القمة الذي جمعه برئيس وزراء الهند، سنج. من المعروف أن رئيس وزراء الهند ضعيف سياسياً، حيث تتخبط حكومة التآلف التي يترأسها من أزمة إلى أخرى، كما أن لسعة الفساد تصيب قيادة حزب المؤتمر، على كل صعيد. ولن يسمح الرأي العام الهندي بأي حل لمشكلة جامو وكشمير، إلا إذا أعيدت الأراضي التي قامت باكستان باحتلالها عام 1948. لم تكن هناك ظروف مواتية لمشروع سلام بين الجانبين. ولذلك كانت هناك مفارقة ساخرة في هذه القمة بين رئيسي وزراء الهند، والباكستان. وتم تجاهل الكثير من المخاوف السائدة، حتى ضمن أعضاء الحكومة الهندية نفسها. ولو هزمت الهند في هذه المباراة (الحقيقة أنها كسبتها بسهولة)، لحوّل الرأي العام الهندي غضبه باتجاه حكومة رئيس الوزراء، مانموهان سنج. ولو صادف وجود عمل إرهابي باكستاني في الفترة ذاتها، فإن ذلك كان سيؤدي إلى المزيد من الأعمال العدائية. ولو أصيب رئيس وزراء باكستان الزائر، نتيجة لأي هجوم إرهابي، فإنه سيترتب على الهند دفع ثمن كبير. إن الإثارة المحيطة بهذه القمة، وما كان يرجى من أن توحي به من حسن النوايا، تبخرت بالقبض على سائق يعمل لدى المفوضية الباكستانية العليا في نيودلهي، حيث تم إلقاء القبض عليه بالقرب من قاعدة عسكرية. وردت باكستان بإلقاء القبض على موظف هندي بسيط في المفوضية الهندية العليا في إسلام أباد. والحقيقة هي أن مؤسستي الحكم في البلدين لديهما شكوك متبادلة، وعلى نحو عميق للغاية. وليست باكستان مستعدة للتوصل إلى اتفاقية سلام مع الهند، بل إنها تعمل في الوقت الراهن على تقويض المصالح الهندية في أفغانستان. وتتوقع باكستان الحصول على مكاسب كبيرة في أفغانستان، وزيادة تهميش الوجود الهندي، بعد أن ترحل قوات حلف شمال الأطلسي عن أفغانستان، وما يحمله ذلك من احتمال عودة القاعدة، وطالبان، للسيطرة على مقاليد الحكم في كابول. فما هي جدوى أي تودد من جانب رئيس وزراء الهند باتجاه حكومة باكستانية ما هي إلا واجهة للجيش الباكستاني، والاستخبارات الدولية الباكستانية؟ هنالك هجوم متكرر على مبادرات سنج الانتهازية، والكارثية على صعيد الدبلوماسية الخارجية، حتى بين أعضاء فريق حكومته الائتلافية. وكان هنالك اجتماع لوزيري الخارجية البلدين عشية قمة رئيس الوزراء، حيث كان من المتوقع البحث في قضية مشاركة طرف هندي في التحقيقات الجارية مع عدد من المشبوه بتنفيذهم للهجوم الدموي على مومباي. غير أن وزير الداخلية الهندي نفى بالفعل حدوث أي تقدم يذكر على هذا الصعيد، بل إن أحد المسؤولين قال إن الحديث عن أرضية مشتركة كان مجرد تمهيد لقمة رئيسي الوزراء، ليس إلا. ويرى براناب موكهرجي الذي برز كمنافس لرئيس الوزراء الهندي، أنه ينبغي الفصل بين الرياضة، والسياسة في علاقات البلدين. ووجه تعليقاته بصفة خاصة إلى وسائل الإعلام، غير أن أحداً لم يكن يجهل الجهة التي يعنيها. ويضاف إلى ذلك أن حزب جاناتا المعارضة هاجم في بياناته هذه القمة. الحقيقة أن أموراً كثيرة كان يمكن أن تسير على نحو خاطئ. ولم تقدم هذه القمة أي نتائج تتناسب مع مخاطر الإقدام على عقد اجتماع بهذا المستوى. ولا يبدو أن الحكومة الهندية تعلمت دروسها من ذلك. وقد تثبت محاولات أخرى على هذا الطريق في المستقبل أن مثل هذه الحركات الانتهازية من جانب رئيس الحكومة الهندية، لن تنجح في إبعاد الأنظار عن المشاكل السياسية التي يتعذر حلها على الجبهة المحلية. خاص بـ «الاقتصادية» حقوق النشر: Opinion Asia

أهم أخبار المملكة

Comments

عاجل