المحتوى الرئيسى

ارسموا خطاً في رمال شبه جزيرة إيبيريا

04/10 15:33

منذ أن ضربت الموجاتُ الأولى من هلع السندات السيادية الركنَ الجنوبي الشرقي من منطقة اليورو، كان يبدو أن لعبة النهاية بالنسبة لهذه العاصفة المالية ستكون على الأرجح في السواحل الجنوبية الغربية للمنطقة. وجهة النظر التي كانت وما زالت سائدة هي أن بمقدور أوروبا الصمود في وجه الأزمات في اليونان وإيرلندا والبرتغال، لكن من الواجب رسم خط هناك لا يجوز للجيشان في السوق أن يمتد إلى ما وراءه. أما وقد طلبت البرتغال الآن مساعدة مالية، فإن استراتيجية الاحتواء الأوروبية تتعرض لاختبارها الحاسم. حكومة تصريف الأعمال في لشبونة لم تقدم معروفاً لأية جهة، حين انتقلت من نفي حاجتها إلى قرض إنقاذ في يوم معين لتتقدم بطلب للقرض في اليوم التالي. ربما تنظر الأسواق إلى ذلك على أن الأمر الواقع هو أن لشبونة ستذهب في نهاية المطاف وقبعتها في يدها طلبا لتسهيلات الاستقرار المالي الأوروبية، إذ إن عوائد السندات السيادية لم تشهد تحركاً يذكر يوم الخميس. لكن الموضوع أدى إلى تعقيد أكثر من ذي قبل في التحدي السياسي الذي كان أصلاً يتسم بصعوبة كبيرة في الحال التي كان عليها في السابق. داخل البرتغال هناك شكوك حول ما إذا كانت حكومة تصريف الأعمال، التي خسرت تصويتاً برلمانياً على الثقة في الشهر الماضي، تتمتع بالصلاحية الدستورية، ناهيك عن الشرعية السياسة، لإلزام البرتغال بنوع الشروط التي ستكون ملحقة بتسهيلات الاستقرار المالي الأوروبي. وهذا ينطبق بصورة خاصة إذا علمنا أن الطبقة السياسية أخفقت بصورة مؤسفة في التوصل إلى إجماع حول إجراءات تقليص الإنفاق التي لم يعد في وسع البرتغال تأجيلها. كما أن شركاء البرتغال في منطقة اليورو لن يجدوا أن من الممكن سياسياً بالنسبة إليهم (ولا ينبغي لهم ذلك) أن يقدموا الأموال دون هذا الشرط (أي إجراءات تقليص الإنفاق)، حتى ولو فقط في سبيل القفز على عقبات إعادة التمويل التي سيتم بلوغها قبل انتخاب حكومة جديدة في حزيران (يونيو). بالنظر إلى هذه الحقائق، كان سيكون من الأفضل بالنسبة إلى لشبونة أن تتحمل الأوضاع المؤلمة في الأسواق لمدة أشهر قليلة أخرى. فاضطرار البرتغال إلى أن تدفع حتى بضع نقاط مئوية زائدة في الفائدة على السندات لإعادة تمويل مبلغ 12 مليار يورو واجبة السداد بين نيسان (أبريل) وحزيران (يونيو) لا يحدِث فرقاً يذكر بالنسبة للديون المستحقة وغير المسددة، البالغة 144 مليار يورو. ويظل هذا هو أكثر النواتج ترجيحاً. لكن الأسلوب المفاجئ الذي اتسم به التغيير التام في موقف لشبونة لم يجعل هذه الاستراتيجية أسهل من ذي قبل بأي حال من الأحوال. وهذا لا يعني أن لشبونة ستكون مخطئة في الاستفادة من القرض الذي تقدمه التسهيلات الأوروبية. وحين لا يكون بالإمكان تجنب حالات الهلع في السوق التي تغذي نفسها بنفسها، فمن الأفضل أن تدفع هذه الحالات البلدانَ إلى الوقوع في أسر تسهيلات الاستقرار المالي بدلاً من الإعسار. وإذا كان الشركاء الأوروبيون على ثقة من رغبة لشبونة وقدرتها على سداد ديونها بأسعار فائدة فوق مستوى تكلفة تمويل التسهيلات، لكن دون ما تتطلبه السوق التي تشعر بالهلع، فإن من انعدام المسؤولية لدى الأوروبيين ألا يقرضوا البرتغال (ويحققوا أرباحاً من وراء ذلك). بالنسبة للبرتغال، هناك شك في وجود هذه الرغبة أكبر حتى من حالة اليونان. إذ لم تُظهِر لشبونة شهية تُذكر لإجراءات شد الحزام اللازمة والإصلاحات الهيكلية الضرورية في الاقتصاد في سبيل استعادة القدرة على النمو، التي خسرتها البرتغال منذ فترة طويلة. وينبغي أن تكون بقية أوروبا مستعدة لصرف قروض الإنقاذ، لكن قبل أن تفعل ذلك لا بد لها أن تطالب السياسيين البرتغاليين باستخدام الحملة الانتخابية للحصول على تفويض من الشعب بإجراء برنامج للإصلاح. فإذا تحقق ذلك، وتم منح القرض، يجب على جميع الأطراف أن يقبلوا بأنه إذا لم يتم الوفاء بشروط القرض، ستتوقف المساعدات وسيشتعل فتيل الإعسار. إن تحقيق عملية إنقاذ البرتغال على الوجه الصحيح أمر مهم لجميع أوروبا، وبالأخص بالنسبة لإسبانيا. وقد قامت مدريد بكل ما لم تقم به لشبونة، إذ إنها اتخذت إجراءات جذرية لتقليص العجز وشرعت في إصلاحات لتجعل الاقتصاد أكثر كفاءة من ذي قبل، ولم تأل جهداً في التواصل مع المستثمرين في سنداتها. وليس هناك سبب متين يجعل إخفاق البرتغال ينعكس على الوضع الإسباني. ورغم أن هذا أمر لا تستحق إسبانيا أن تصاب به، إلا أنه لا يمكن استبعاده. ذلك أن البنوك الإسبانية مكشوفة فوق الحد في التزاماتها وتعاملاتها مع البرتغال. وإن مجرد حالة اللبس التي تشعلها لشبونة من شأنها أن تجعل الأسواق المتوترة تفكر مرتين قبل تمويل إسبانيا. إذا ضاعفت مدريد من جهودها في اليقظة والانتباه، فإن من المرجح أن تحتفظ بالصدقية التي تستحقها. وحتى يكون ثاني قرض في التسهيلات الأوروبية هو القرض الأخير، لا بد من تحويل الخط في رمال شبه جزيرة إيبيريا إلى خندق بين الحكومة ذات الصدقية والحكومة التي لا تتمتع بالصدقية.

أهم أخبار المملكة

Comments

عاجل