آخر الأخبار
الثلاثاء، 21 مايو 2013 - 05:24م الرياض

للإستمتاع بجميع مميزات الموقع يرجى استخدام متصفح أحدث مثل:

تحولات الإعلام في زمن الربيع العربي

Large

من تابع قناتي «الجزيره» او «العربيه» في مصر مساء الخميس الماضي؟ بالتاكيد لا احد، ذلك ان قناتين محليتين اتحدتا لنقل مباشر لاول مناظره بين ابرز مرشحين للرئاسه التي ستجري بعد اسبوعين، ولم تستطع اي من الفضائيات العربيه الأخباريه اقناع المرشحين بالتناظر من علي منصتها.

نتيجه طبيعيه للتحولات التي طرات ولا تزال علي الاعلام العربي، في واحده من اهم ارتدادات الربيع العربي، اهمها عوده المشاهدين الي قنواتهم الوطنيه والمحليه، فالحريه التي طالما دعت لها «الجزيره»، قد تقضي علي الفكره التي قامت عليها واحتلت بمقتضاها موقعاً في تاريخ الاعلام العربي بان تكون «القناه الاخباريه العربيه المتعديه للحدود».

بت مدركاً اكثر لهذه التحديات الجديده بينما اخطط لاطلاق قناه «العرب» الاخباريه في عالم مزدحم بالقنوات الاخباريه الموجهه الي العالم العربي. فهناك تحولات ثلاثه مهمه، اثنتان نختص بهما نحن العرب وهما من نتائج الربيع «ارتفاع سقف الحريه في المحتوي والترخيص» و «تحول الجمهور نحو المحليه». الثالث يعم الاعلام عموماً حول العالم، وهو التغيرات التقنيه والتداخل بين «ادوات» الاعلام المتعدده والاعلام الجديد.

في ما يخص الحريه، فان الربيع العربي حرم قناه كـ «الجزيره» من ميزه حديه تمتعت بها 15 عاماً منذ انطلاقها نهايه التسعينات، وهي «الجراه»، فقبل عام ونيف، كان التونسي او المصري يري امامه تظاهره او اعتصاماً فلا يسمع تفاصيله ويري صوره الا من «الجزيره» التي تبعد عنه الاف الاميال، بينما قناته المحليه تتجاهل الخبر تماماً.

اليوم، بدات المحطات المحليه تستعيد مواطنيها من جديد، ذلك ان لديها الحريه الان ان تنقل ما تشاء، ولديها ايضاً ميزه اخري لا تستطيع المحطات «العربيه» ان تنافسها فيها، الوقت. فبامكان محطه محليه في ليبيا مثلاً ان تخصص ساعات لمناقشه قضيه مثل استعاده المالكين لعقاراتهم وتنظيم هذا القطاع بعدما حوله القذافي بافكاره المجنونه الي حاله فوضويه غير مسبوقه.

ستناضل الاخباريات المدعومه من الدول لفرض النفوذ والتاثير للبقاء في الفضاء العربي، علي رغم انصراف المشاهد الي المحليات، علي امل عودته ساعه «الملمات» العربيه.

اما تلك المعتمده علي السوق، فعليها ان تختار سوقاً بعينها وتعيش علي اقتصادها، ثم تتوسع بقدر ما تتسع دائره الرخاء فيها. حتي الان لا توجد سوق واحده متعدده غير دول مجلس التعاون الخليجي الذي يمكن ان يشكل مورداً للاعلان الذي يخدم دوله الست مجتمعه.

بالتالي، هي مساله وقت حتي تظهر محطات فضائيه اخباريه محليه، او تتوسع محطات عامه في الساعات المخصصه للاخبار، فتغرق في تفاصيل الحياه اليوميه من اختطاف طفل الي المنافسه علي رئاسة الجمهورية.

ولكن هذا «الانفجار» الاعلامي يجري حالياً وفق قواعد النظام القديم وتشريعاته. سيشتد الحوار في مصر وتونس حول ما يفعلون بـ «ماسبيرو» في الاولي والتلفزه المحليه في الثانيه، هل يبقيان في ظل الحكومه المنتخبه؟ لا يعقل. فهي حكومه حزب الاغلبيه، اما تتحولان الي هيئه مستقله او تُحلان تماماً وتُمنع الدوله من امتلاك وسائل الإعلام.

في الوقت نفسه الذي يتجادل فيه المشرعون حول مصير او نظام للاعلام التقليدي يزحف علي الصوره الاعلام الجديد التفاعلي، فماذا سنفعل معه، بكل نزقه ورغبته في الانعتاق من اي قيود؟

هناك ايضاً تحولات جغرافيه في ما يخص الاعلام. في منتصف القرن الماضي، كانت القاهره وبيروت مركزي الاشعاع والاعلام، الفن، التاليف، الصحافه، ما يروق لك وما تكره.

ثم تراجعتا لاسباب عده، اهمها اغتيال الحريه وصعود الانظمه الشموليه، فحلت محلهما دبي والكويت والرياض والدوحه وقبلها لندن وباريس.

اليوم تعود الحريه الي القاهره ومن ثم الي بيروت بعد السقوط الحتمي للنظام السوري الضاغط علي مسامها الحره، فهل ستنحسر المؤسسات الاعلاميه عن دبي والخليج وتعود الي مراكز الاشعاع القديمه؟

لن يحصل هذا، فالحريه تؤدي الي زياده الانتاج، ولكن من المهم لمراكز الثقافه الحاليه ان تهتم بهذا التحول وتسال، ما الذي اتي بالإعلام آلينا؟ وكيف يمكن ان يبقي عندنا؟

الوعد بالحريه اتي بالاعلام الي دبي بضمانات قانونيه ترقي الي ما هو سائد في بريطانيا. الضمانات نفسها التي حصلت عليها قناه «العرب» الاخباريه من حكومه البحرين، ووقّعت معها الاسبوع الماضي اتفاق دوله المقر، ولكن حريه التعبير يجب ان تكون ثقافه تشمل كل الدوله وليس فقط منطقه «استثنائيه» تسمي المنطقه الحره.

هذه الحريه هي ما وفرته تلقائياً الثوره المصريه، علي رغم ان مصر لا تزال تعمل بقوانين حكومتها السابقه وهي قوانين غير صديقه للحريه، الا ان روح الثوره جرت في تلك النصوص الجامده والغت منها تشريعاً وتاويلاً كل ما يتنافي مع حريه التعبير.

ولكن القاهره لا تزال في حاجه الي شرطيين اخرين لضمان استعاده وضعها كمركز اشعاع وهما الاستقرار والبنيه التحتيه التي لا تقتصر فقط علي شبكه اتصالات متطوره وعماله مؤهله، وانما انظمه وقوانين ليبراليه اقتصاداً ونظاماً.

هذان الشرطان، كانا من نقاط الجذب في دبي، ولكنها تحتاج الان الي حريه تعبير تشمل الاعلام المحلي وليس الضيف فقط.

الرياض تفتقد ذلك السقف العالي في ما يخص حريه التعبير وكذلك البنيه التحتيه، ولكنها تمتلك 3 عناصر مهمه للاعلام، السوق الاكبر في المنطقه والمال وعقول مبدعه.

لاحظ هؤلاء مع منتصف الثمانينات الفراغ الذي احدثته السياسه والقمع في مراكز الابداع العربي التقليدي، وادركوا انه ان لم يقوموا بملئه سيقوم بهذه المهمه غيرهم، مع معرفتهم ان ظروف المملكه بالقيود التي فرضتها بنفسها علي نفسها، لم تكن لتسمح لها بالتوسع في الحريات السياسيه والثقافيه، ولكن كانت ثمه فرصه لا يمكن لذكي ان يضيعها، الحل سهل، ما لا نستطيع فعله في الرياض نفعله في لندن.

شهدت الثمانينات وحتي صعود «الجزيره» منتصف التسعينات ما يمكن تسميته «الحقبه السعوديه»، هيمنت فيها علي الاعلام العربي. صحف وتلفزيونات واذاعه، اخبار وموسيقي، ترفيه ورياضه، افلام ومسلسلات. جربنا كل شيء حتي شراء وكاله انباء عالميه، لم تكن كلها قصص نجاح ولكن كثيراً منها كان ولا يزال كذلك. انتهت تلك الحقبه بخطا استراتيجي عندما فكت الشراكه بين «البي بي سي» وشركه سعوديه اطلقت تلفزيون «البي بي سي العربي» الذي كان اهم مشروع عربي اعلامي حديث. لم يمت المشروع، انما انتقل الي الدوحه عام 1996 باسم «الجزيره»، وبقيه القصه معروفه.

ثم حصل الربيع العربي مسجلاً نقطه بدايه جديده للاعلام العربي، يبحث الجميع فيه عن موقع ما وفق شروط جديده.

* كاتب سعودي ومدير قناه «العرب» الاخباريه.