للإستمتاع بجميع مميزات الموقع يرجى استخدام متصفح أحدث مثل:

أولئك السودانيون المتآلفون مع قدرهم البائس

3126880-large

ارتبط اسم الروائي السوداني عبد العزيز بركه ساكن بـ «الرقابه والمصادره والمنع»، اكثر مما ارتبط باعماله الادبيه، ففي كل عمل جديد لهذا الكاتب عليه ان يخوض فصولاً مريره مع الرقابه في بلاده السودان الذي يضيق فيه هامش الحريه كثيراً، شانه شان بلاد عربية كثيره ينشط فيها الاوصياء والرقباء و «حرّاس القيم» علي نحو يجعل من اي تغريد خارج السرب صوتاً متمرداً ومشاغباً ينبغي اسكاته. لكن بركه ساكن، الذي لُقّب بـ «الزبون الدائم للرقيب»، لم يابه يوماً لقائمه الاوامر والنواهي الكثيره، بل ظل صوتاً مشاكساً يجهر بالمسكوت عنه، ويعلن انحيازه الي مشروعه الانساني الذي يروي «احلام طبقته والامها وطموحاتها المذبوحه»، وهذه الطبقه تشمل، كما يقول، «المنسيين، المرضي، الشحاذين، المجانين، العسكر المساقين الي مذابح المعارك، المشردين، العمال الموسميين، الكتّاب الفقراء، الطلاب المشاكسين... وقس علي ذلك من الخيرين والخيرات من ابناء وطني»، ويخلص الي القول بانه كاتب «حسن النيه واخلاقي، بل وداعيه للسلم والحريه، لكن الرقيب لا يقراني الا بعكس ذلك...».

ومثلما ان رواياته ومجموعاته القصصيه السابقه، مثل «علي هامش الارصفه»، «امراه من كمبوكديس»، «ما تبقي كل ليله من الليل»، «مسيح دارفور»، «الجنقو، مسامير الارض»...وسواها، اثارت موجه من الغضب والاستياء لدي الرقابه، فان روايته الجديده «مخيله الخندريس»، الصادره، اخيراً، في القاهره (دار اوراق، 2012)، مرشحه لان تثير غضباً مماثلاً لدي الرقابه، بل، ربما، كانت هذه الاخيره هي من اكثر رواياته استفزازاً لـ «الذهنيه الرسميه والمحافظه»، نظراً لجراه الطرح، وحساسيه الموضوع المعالج.

يستهل الكاتب روايته بتوضيح ينطوي علي سخريه سوداء، فهو يقول ان احداث روايته جرت في دوله «شديده الشبه بجمهورية السودان، وقد تتطابق اسماء المدن، القري، الاشخاص، الوزارات والصحف، وقد تتطابق الاحداث، والسياسات، والازمنه والازمات ايضاً، لكن تظل احداث الروايه تجري في دولة خيالية لا وجود لها في الواقع، لان ما يحدث في هذه الروايه يستحيل حدوثه في السودان»، وبالتالي، وكما يقر بركه، فهي من «شطحات الخيال المريض لكاتبها». بعد هذا الاعلان الصريح، سيتوقع القارئ ان بركه ساكن سيتحايل علي واقع بلاده، وسيلجا الي الرموز والاستعارات، وسيلغز كلامه بتعابير ومفردات تبعد الشبهه عنه. لكن شيئاً من ذلك لا يحدث، بل قل ان عكس ذلك، تماماً، هو ما ستكشف عنه الصفحات التاليه.

يمضي بركه في سرده من دون اي تلميح او مواربه، اذ يسمي الاشياء بمسمياتها الحقيقيه بدءاً من الخرطوم وأم درمان والنيل وصولاً الي اصغر تفصيل في الروايه.

وهذا التناقض بين استهلال يحاول الغاء التشابه بين احداث وامكنه الروايه وبين واقع السودان، فيما السرد اللاحق يغرق في صميم الواقع السوداني، يحمل تهكماً جارحاً يكشف عن المزاج العبثي الساخر لبركه ساكن الذي يقتحم في هذا العمل قاع المجتمع السوداني كي يسلط الضوء علي قضيه هي في غايه التشابك والتعقيد، الا وهي قضيه المشردين واطفال الشوارع، وقصص الزوايا المعتمه والازقه الخلفيه القذره التي تنشا، عاده، علي هوامش المدن الكبيره التي لا تعرف معني للرافه.

هذه القضيه المؤلمه في ابعادها وتداعياتها، تصلح لتقارير تلفزيونيه مصوره، ولافلام وثائقيه قادره علي اظهار معاناه هذه الشريحه المنسيه التي تتزايد في غفله من الزمن، وبعيداً من رفاهيه المسؤولين الرسميين الذين يتاففون من تلك العشوائيات الطارئه. ولكن يبدو ان انجاز ذلك صعب المنال لا سيما في بلد تتقلص فيه الحريات الصحافيه، ويحاسب فيه الصحافي علي فضوله و «حشريته»، كما حصل لاحدي شخصيات هذه الروايه، وبالتالي فان مراقبه هذه الشريحه بصمت في شوارع الخرطوم، ومن ثم نقل تلك المشاهدات والانطباعات الي صفحات روايه تبدو خياراً مناسباً. وهذا ما يفعله بركه ساكن الذي يرافق، عبر عيون سارده الروايه وبطلتها سلوي عبد الله، اطفال الشوارع الذين حرموا من الحنان، بل من ابسط مستلزمات وضرورات العيش الانساني.

انهم مجرد ارقام فائضه؛ متناثره في فوضي الشوارع والازقه يفترشون الارض ويلتحفون السماء، ولا يجدون ما يسدون به الرمق سوي فتات الاثرياء المرميه في حاويات الزباله، وهم، علاوه علي ذلك، عرضه لكل انواع المخاطر والامراض والانحراف والضياع، اذ تتبدد اعمارهم الغضه وسط الجوع وضنك العيش والذل، ولم يتعرفوا، يوماً، علي اي معني للطفوله التي ترمز الي البراءه والنقاء والشغب واللهو.

لا عزاء لهذه الشريحه التي تبدو وكانها تالفت مع بؤسها، واستمرات قدرها الاسود، وراحت تشكل معضله اجتماعيه لا تني تتفاقم وسط غياب ايه خطط رسميه لانقاذها من براثن الموت والمرض. ذلك هو الشاغل الرئيس لهذا العمل الذي ينهض علي حادثه شهدتها الخرطوم، قبل سنوات، حين توفي نحو 76 طفلاً مشرداً، وفقاً للصحافه الرسميه «التي ينبغي ان نضرب رقمها في ثلاثه حتي نعثر علي الرقم الصحيح»، كما تقول الروايه.

وهذه الماساه تبدو نتيجه طبيعيه للظروف القاسيه التي يعيشها هؤلاء الاطفال الذين اعتادوا علي استنشاق وتعاطي ماده الميثانول القاتله التي تدمر الكبد والبنكرياس وشبكيه العين. ماده الميثانول، التي تسهب الروايه في شرح تركيبتها وخواصها، هي ماده مسكره، تحضّر بطرق تقليديه بدائيه، ويتناولها اولئك الاطفال هرباً من واقع يفوق طاقتهم علي التحمل. «مخيله الخندريس»، بهذا المعنى، هي الملاذ الحالم الذي تهفو اليه ارواح الاطفال الجريحه، ومن هنا جاءت المفرده المستخدمه في عنوان الروايه «الخندريس»، وهي تعني «الخمر المقطر»، وفق استخدام المتنبي لها في قصيده يتفاخر فيها الشاعر بان معاطاه «الصفائح والعوالي» الذ من «المُدام الخَنْدَرِيس».