المحتوى الرئيسى

عبدالله بن رشيد.. رفيق الإمام «فيصل بن تركي»

02/13 02:00

    يظل تاريخ الجزيره العربيه في عصره الحديث -لا سيما في القرون الثلاثه المتاخره- محل اهتمام مجموعه من الباحثين والمؤرخين، الذين تفرغ البعض منهم لدراسه وتدوين الاحداث والاخبار، وسعي من خلال كتاباته للتعريف بالايام والسنوات المشهوره، في حين ارخ البعض الاخر للوقائع والغزوات والمعارك، كما عكف فريق منهم علي تدوين التراجم التي تحكي السير الشخصيه لعدد من العلماء والقاده والامراء، بل تجاوز ذلك الي تراجم الادباء والرحاله وكبار الشعراء، وكل هذا -بلا شك- ساهم وبشكل كبير في اثراء الموروث التاريخي، كما ساهم من خلال "طفره التدوين" الي تنوع المصادر التي يعود اليها الباحث في تاريخ مجتمعنا المحلي، لا سيما فيما يسميه الاقدمون "علم الرجال" الذي ترجم لعدد كبير من رجال المرحله، والذين كان من بينهم الامير والفارس والشاعر "عبدالله بن علي بن رشيد" -امير منطقه الجبل والساعد الايمن للامام فيصل بن تركي-، والذي وصفه "ابن بشر" بانّه: "ذو راي وشجاعه"، ووصفه "الفاخري" قائلاً: "كان صارماً مهيباً، ارجف الاعراب بالغارات حتي خافه قريبهم وبعيدهم"، وقال فيه "فالين" الذي اعجب بشخصيه "عبدالله" واخيه "عبيد": "اضف الي ما تقدم ما ذكره من صفاته الشخصيه الفريده وشجاعته ورجولته وعدله وعلي قسوته احياناً، والمحافظه علي وعده وعهده، لم يعرف عنه انه نكث وعداً اعطاه".

اختاره الامام تركي بن عبدالله علي راس جيشه الذي ارسله للاحساء

ساهم ابناء عمومته "ال علي"، في استتباب الامن والحفاظ علي استقرار البلاد، لا سيما في منطقه (الجبل) وما حولها، كسب ثقه الامام "تركي بن عبدالله"، اختاره علي راس جيشه الذي ارسله للاحساء بقياده الامام "فيصل بن تركي بن عبدالله"، وفعلاً كان "ابن رشيد" معاوناً وساعداً اميناً للامام "فيصل"، الذي تلقي هو ومن معه في الجيش اخبار مفجعه عن طريق "زويد" -الخادم الخاص بالامام "تركي بن عبدالله"-، والذي استطاع الهرب من الرياض والوصول الي الامام "فيصل بن تركي" واخباره بمقتل والده الامام "تركي بن عبدالله"، وهو ما استدعي الامام "فيصل" ان يوقف حملته في (الاحساء)، ويعقد اجتماعاً خاصاً مع قاده جيشه، وعلي راسهم "عبدالله بن رشيد"، الذي وصفه "ابن بشر" بانه: "ذو راي وشجاعه"، وحينها اشار الجميع بضروره العوده الي "الرياض"، والقبض علي قتله الامام "تركي بن عبدالله"، وتقديهم الي حكم الشرع، وفعلاً عاد الجيش واستطاع "عبدالله بن رشيد" ان يقنع الامام "فيصل" بان يسمح له بقياده الهجوم الفدائي، الذي اشرف عليه الامام "فيصل بن تركي"، والذي من خلاله استتب الامر له، فعاد للحكم بعد ان ظفر بقتله والده، وبويع اماماً محله.

في عام 1204ه ولد الامير "عبدالله بن علي بن رشيد بن خليل بن عطيه من الربع –الربعيه- من ال خليل من ال جعفر من عبده"، سليل احدي اكبر قبائل شمر التي تتفرع منها عده بطون، ك"اسلم" و"سنجاره" و"عبده"، التي منها ابناء العمومه "ال علي" و"ال رشيد"، وتتفرع اسره "ال رشيد" الي ثلاثه فروع هم "ال عبدالله" و"ال عبيد" و"ال جبر"، ويلتقي "ال علي" بابناء عمومتهم "ال رشيد" في الجد الخامس "عطيه"، حيث انّ "علي" جد "ال علي" و"خليل" جد "ال رشيد" اخوان، و"عطيه" من "الربع" من "ال جعفر" من "عبده"، احدي اكبر قبائل شمر من قبيله "طيء" العربيه، التي تعود الي "كهلان بن سبا بن يشجب بن يعرب بن قحطان".

مكانه والده لدي الامام سعود

قال "د.عبدالفتاح ابو عليه" في دراسته حول المخطوط التركي (الرحله الحجازيه لسليمان شفيق كمالي) انّ "علي" والد الامير "عبدالله بن رشيد" كان احد المقربين من الامام "سعود بن عبدالعزيز" -ثالث حكام الدوله السعوديه الاولي–، حيث كان احد رجاله الثقات، بل عيّنه الامام سعود جابياً لزكاه الباديه في شمال الجزيره العربيه.

وذكر "ضاري الرشيد" انه كان صاحب ديانه وورع ودين وكرم ولم يكن يؤيد توجه ابنيه "عبدالله" و"عبيد" -رحمهما الله- في خلافهما مع ابن عمهم -امير الجبل انذاك- "صالح بن عبدالمحسن آل علي" -رحمه الله-، وكانا رهن امر والدهما يسمعانه ويطيعانه، وبالتاكيد فان "علي بن رشيد" لم يحصل علي هذه المكانه عند الامام "سعود" الاّ لثقه الاخير به، بل ذكر صاحب المخطوطه التركيه (الرحله الحجازيه) انّ ل"علي بن رشيد" اخاً يدعي "جبر" عند الامام "سعود" ب(الدرعيه)، وهو عم الامير "عبدالله بن علي بن رشيد"، وقد ذكر المؤرخ "ابن بشر" انّ "جبر بن رشيد" كان قد انتقل بعد سقوط (الدرعيه) الي (راس الخيمه) -وفق ما ذكره "ضاري الرشيد في (نبذه تاريخيه عن نجد)-.

وبيّن المؤرخ "محمد الزعارير" في (اماره ال رشيد في حائل): "ويبدو ان جبر كانت له مكانه مرموقه عند سعود بن عبدالعزيز، اذ كان يكرمه اكراماً زائداً"، مستشهداً بما ذكره "ابن بشر" حول ما قاله الامام "سعود" لعماله في الاقاليم: "اذا ورد عليكم كتاب فيه اسمي وهو خط جبر بن رشيد يكون يعمل فيه ولو ما فيه مهر"، ولم يكن هذا الاّ دليل علي المكانه التي يتمتع بها كل من "علي بن رشيد" و"جبر بن رشيد" عند الامام "سعود"، لا سيما وانّ "ابن بشر" نفسه كان قد ذكر "جبر بن رشيد" مع من وصفهم ب"اعيان المسلمين".

ولم تقف هذه العلاقه علي الاباء بل استمرت بين الابناء، فالامير "عبدالله بن علي بن رشيد" حين تولي اماره (الجبل) بامر من صديقه القديم الامام "فيصل بن تركي"، اضطر الي ترك الاماره مع قدوم قوات "اسماعيل اغا"، من قبل الوالي العثماني في (مصر) "محمد علي باشا"، والسبب يعود لكونه احد ابرز رجال الامام "فيصل بن تركي"، ولكن وبعد مده قصيره استطاع الامير "عبدالله بن رشيد" العوده لاماره منطقه (الجبل)، وذلك مع قدوم قوات "خورشيد باشا"، كما انّه بعد اربع سنوات استقبل بكرم وترحاب عوده الامام "فيصل بن تركي" الي نجد قادماً من (مصر)، وحينها زوج الامام "فيصل" ابنته الجوهره ب"طلال" ابن صديقه "عبدالله بن رشيد"، كما كان ل"ابن رشيد" وقفه صادقه مع الامام "فيصل" في العوده الي الرياض مره اخري.

ويذكر بعض الباحثين ان الامير "عبدالله" تزوج ب"الجوهره" بنت الامام "تركي بن عبدالله"، كما تزوج "عبدالله" ابن الامام "فيصل بن تركي" من نوره بنت الامير "عبدالله بن رشيد"، ثم من بنت ابن عمها "طريفه بنت عبيد بن رشيد"، ولما توفي عنها تزوجها شقيقه "محمد".

سبق تولي الامير "عبدالله بن رشيد" لاماره (الجبل) احداث يجدر بالباحث ان يطلع عليها، اذ مع نزوح بعض بطون "شمر" الي (العراق) بقياده شيخها "مطلق الجربا" -رحمه الله- عام 1205م -وفقاً لما ذكره "ابن غنام" في (تاريخ نجد)، وما ذكره "الفاخري" في (الاخبار النجديه)-، وعيّن الامام "عبدالعزيز بن محمد بن سعود" الامير "محمد بن عبدالمحسن بن فايز ال علي" اميراً علي (الجبل) -وفقاً لما ذكره "راشد بن علي الحنبلي" في (مثير الوجد في انساب ملوك نجد)-، الي ان قتل الامير "محمد بن عبدالمحسن -رحمه الله- اثناء حروبه مع قوات "ابراهيم باشا" عام 1234ه، وتولي بعده الامير "صالح بن عبدالمحسن ال علي" في عهد الامام "تركي بن عبدالله" -كما اورد ذلك "ابن بشر"-، ثم تولي الامير "عيسي بن علي"، وكان الامير "عبدالله بن علي بن رشيد" واخوه "عبيد" قد تربيا مع "عيسي" ابن الامير "محمد بن عبدالمحسن"، بل وتزوج الامير "عبدالله بن رشيد" من ابنه الامير "محمد بن عبدالمحسن" -وفقاً لروايه "ضاري الرشيد"-.

وبعد ان اثبت الامير "عبدالله" شجاعته في صد احدي الهجمات التي تعرضت لها اماره (الجبل) في عهد ابن عمه "صالح بن عبدالمحسن ال علي"، انحدر هو واخوه "عبيد" الي (العراق) -اثناء ولايه "داود باشا"- بعد احداث يطول شرحها، حيث نزلا عند الشيخ "صفوق الجربا"، وكان الوالي العثماني ل(لعراق) "داود باشا" قد اهدي الامير "عبدالله بن رشيد" غزالاً من ذهب؛ نظير جهوده وبطولاته التي قاد فيها بعض الجيوش هناك، والتي حصل "داود باشا" من خلالها علي حصيله كبيره من الغنائم، وقد اهدي "ابن رشيد" هذا الغزال للامام "تركي بن عبدالله" عند عودته الي (الرياض)، -كما ذكر "سليمان بن صالح الدخيل" في مخطوطه (القول السديد في اخبار اماره الرشيد)، ومع "عوده عبدالله بن رشيد" الي (الرياض) حظي بتكريم من الامام "تركي بن عبدالله".

بعد التكريم الذي ابداه الامام "تركي بن عبدالله" ل"عبدالله بن رشيد" حرص الامام "تركي" علي تعيين "ابن رشيد" علي راس الجيش المتوجه الي (الاحساء) و(القطيف) -كما ذكر "سليمان الدخيل" في كتابه (تحفه الالباء في تاريخ الاحساء)-، وكان الجيش تحت امره الامام "فيصل ابن الامام تركي بن عبدالله"، وفعلاً كان "ابن رشيد" معاوناً وساعداً اميناً للامام "فيصل"، الذي تلقي هو ومن معه في الجيش اخباراً مفجعه عن طريق "زويد" -الخادم الخاص بالامام "تركي بن عبدالله"-، والذي استطاع الهرب من الرياض والوصول الي الامام "فيصل بن تركي" واخباره بمقتل والده الامام "تركي بن عبدالله"، وهو ما استدعي الامام "فيصل" ان يوقف حملته في (الاحساء)، ويعقد اجتماعاً خاصاً مع قاده جيشه، وعلي راسهم "عبدالله بن رشيد"، الذي وصفه "ابن بشر" بانه: "ذو راي وشجاعه"، وحينها اشار الجميع بضروره العوده الي "الرياض"، والقبض علي قتله الامام "تركي بن عبدالله"، وتقديهم الي حكم الشرع، وفعلاً عاد الجيش واستطاع "عبدالله بن رشيد" ان يقنع الامام "فيصل" بان يسمح له بقياده الهجوم الفدائي، الذي اشرف عليه الامام "فيصل بن تركي"، والذي من خلاله استتب الامر له، فعاد للحكم بعد ان ظفر بقتله والده، وبويع اماماً محله.

تناول المؤرخون باهميه بالغه الحوار الذي دار بين الامام "فيصل بن تركي" والامير "عبدالله بن رشيد"، وقد ذكر "ضاري الرشيد" في (نبذه تاريخيه عن نجد)، هذا الحوار بالتفصيل، لا سيما وقد دل هذا الحديث المتبادل علي متانه وعمق العلاقه بين الاثنين، حيث طلب "ابن رشيد" من الامام "فيصل" ان يسمح له بتسلق اسوار (المصمك) مع بعض رجاله، لكن الامام "فيصل" رفض ان يخاطر برفيق دربه، ولم يسمح له بذلك، بل قال له: "انت رجل عزيز علي، وهو خطريه، ولا يسمح بالي انك خطريه، والمساله تبقي تهون علي طول، لان المحصور اضيق صدراً من الحاصر، والطالب اسبق من المطلوب"، فكان رد "ابن رشيد" ان قال: "انا باذل نفسي بالذي فيه لك مصلحه وراحه للمسلمين، وان شاء الله انها تاتي بالتباشير"، وفعلاً تم اقتحام (المصمك)، وكان ل"عبدالله بن رشيد" دور فاعل ومهم في نصره زميله ورفيق دربه الامام "فيصل بن تركي".

وكان "ابن رشيد" قد استاذن الامام "فيصل بن تركي" في مفاوضه "سوّيد" -امير جلاجل-، الذي وجده "ابن رشيد" في القصر المحاصر، وكانت بينهما صحبه سابقه، فما كان من الامام "فيصل" الاّ ان قال ل"ابن رشيد": "انت رجل عندي ثقه افعل ما تري"، وفعلاً تم الاتفاق مع "ابن سوّيد"، فكان الحال -كما وصفه "ابن بشر"- بقوله " فاتوا الي القصر وحزموا لهم الحبال فصعدوا اليهم، وهم اربعون من الرجال، مع الليث الشجاع والصارم القطّاع عبدالله بن رشيد"، وفعلاً اشتبك "عبدالله بن رشيد" بالخادم "حمزه" وهو احد رجال القصر المتمرسين لشؤون القتال، ودار بين الاثنين عراك طويل، استطاع الخادم "حمزه" ان يصيب "ابن رشيد" بقطع غائر في يده، بيد ان العراك انتهي اخيراً بقتل "حمزه"، وكان الامير "عبدالله بن رشيد" قد عبر عن هذه الخطر الذي تعرض له بابيات من الشعر اوردها "شليويح العتيبي" في (نجد في العصور العاميه)، وذلك حينما قال "ابن رشيد" يصف ما مر به اثناء اقتحام القصر:

شهودي بجلدي والعدو به بداله

وبالمناسبه فان هذه القصيده قيلت في عام1261ه، -اي بعد هذه الاحداث بمده-، ومناسبتها ان جيشاً للامير "عبدالله" غزا بعض الاقاليم بقياده اخيه "عبيد" وابنه "طلال"، ولما علم الامام "فيصل بن تركي" غضب وارسل ل"ابن رشيد" يطلبه تفسير ما حدث، فما كان من "ابن رشيد" الاّ ان ارسل مراسيله ومعهم هذه القصيده، معتذراً وموضحاً للامام "فيصل" ان الطرف الاخر استولي علي ابل له وطالبهم ردها، لكنهم لم يستجيبوا له، فاضطر الي غزوهم واستشهد برجلين كان الامام "فيصل" قد ارسلهما للوساطه في الامر، وهما "فرحان" و"ابن سبيت" حيث يقول "ابن رشيد":

يوم الخطوط الفت وهو ما قرا له

جاه المقري والحق الاول التال

ولا يطيع اللي بنصحٍ حكا له

فرحان وابن سبيت ما القي لهم بال

ثم يوضح في اخر القصيده صدق ولائه لصديقه الامام "فيصل"، وانّه اول من يغزو اعداء الامام، حتي لو كانوا اصدقاءه المقربين:

ومن خالف امرك لو صديقٍ فانا له

سمٍ وطاعونٍ علي الكبد واسلال

في اوائل عام 1251ه تم عزل الامير "صالح بن عبدالمحسن ال علي" -رحمه الله- من اماره (الجبل)، وعين مكانه "عبدالله بن رشيد"، وقد اختلف المؤرخون في الاسباب التي من اجلها تم عزل الامير "صالح بن عبدالمحسن" رغم سيرته المحموده، فمنهم من يري انّ عزله كان باتفاق بعض اهالي الجبل علي ذلك لخلافات حدثت بين الامير صالح وبعض الاعيان هناك، وفعلاً استتب الامر اخيراً للامير "عبدالله بن رشيد" الذي كتب للامام "فيصل" يشرح له حقيقه ما جري، ثم اقره الامام "فيصل بن تركي" علي الاماره، في حين انّ هناك من يري انّ ذلك كان بقرار مباشر من الامام "فيصل بن تركي"، الذي اراد بذلك مكافاه "عبدالله بن رشيد" بعد مواقفه الصادقه والشجاعه معه.

لم تمر سنه علي ولايه "عبدالله بن رشيد" علي (الجبل) حتي جاءت جيوش "محمد علي باشا" مره اخري لاستعاده اقاليم (نجد) و(الاحساء) من حكم الامام "فيصل بن تركي"، وذلك بقياده "اسماعيل اغا" في عام 1252ه، وفعلاً دخل "اسماعيل اغا" (الرياض) في السابع من شهر صفر عام 1253ه، واعاد الامير "عيسي بن علي" اميراً علي (الجبل)، وكان "عبدالله بن رشيد" حين علم بقدوم عسكر الباشا خرج الي (جبه)، ومنها الي (قفار)، وهناك قال قصيدته الشهيره:

قل هيه يالي لي من الناس وداد

ما ترحمون الحال يا عزوتي له

ونسب بعضهم اليها البيت الشهير:

لا صار ما مرٍ يزغرد بالاكباد

تري الموصي يسفه اللي موصيه

Comments

عاجل